الحلقة الثانية

تتوقف طبيعة وماهية العقوبة في الشريعة الإسلامية على نوع الجريمة المرتكبة، فمناط تحديد العقوبة إذن هو طبيعة العمل الإجرامي الذي قام به الجاني، إذ تتنوع العقوبات تبعًا لتنوع الجرائم إلى ثلاثة أنواع هي: عقوبات الحدود، وعقوبات القصاص، وعقوبات التعزير. وفيما يلي بيان موجز لأنواع العقوبات الثلاث، وذلك من حيث المشروعية ونطاق التطبيق.

1- عقوبات الحدود:

الحدود جمع حد، والحد عند علماء اللغة العربية هو ما يُحجز به بين شيئين فيمنع اختلاطهما، بينما الحد في اصطلاح الفقهاء هو عقوبة مقدرة من عند الله تعالى لتمنع وتزجر الجاني عن ارتكاب الجرائم، وسُميت هذه العقوبات حدودًا لكونها تمنع عن المعاودة، أي معاودة ارتكاب الفعل غير المشروع. ويُطلق اسم الحدود على نفس الجرائم التي يُعاقب عليها بعقوبات الحدود، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [سورة البقرة، الآية: 187].

وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: 229].

وقوله تعالى أيضًا: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: 230].

هذا وتتميز عقوبات الحدود بأنها لا يجوز بحال من الأحوال إبطالها أو تخفيفها أو استبدالها بأي عقوبة أخرى، فالقضاة ملزمون شرعًا بتطبيقها متى ما توفرت في الجريمة الشروط الموجبة لعقوبة الحد، وذلك لأن عقوبات الحدود تُعتبر حقًا لله تعالى، وروعيت فيها مصلحة المجتمع وحماية المقاصد التي عُنيت الشريعة الإسلامية بصونها وحفظها. ولهذا لا يجوز فيها العفو ولا أي نوع من التسوية بين الجاني والمجني عليه، إلا ما اُعتبر فيه حق العبد أغلب كالسرقة مثلًا حيث يجوز فيها العفو والتسامح.

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن جرائم الحدود التي يُعاقب عليها بعقوبات حدية تنحصر في سبع جرائم هي: الزنا، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والحرابة، والردة، والبغي. بينما أسقط بعض الفقهاء جريمة البغي بكونها ليست جريمة حدية، وفريق آخر من الفقهاء حصر جرائم الحدود في الزنا والقذف والسرقة والحرابة، أما شرب الخمر والردة في رأيهم فيُعاقب عليهما بعقوبة تعزيرية.

سبقت الإشارة إلى أن عقوبات الحدود ثَبَت تقريرها وتحديدها من عند الشارع الحكيم، فيجدر بنا بذلك استعراض النصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة التي تضمنت هذه العقوبات.

الزنا: فيما يتعلق بجريمة الزنا وعقوبتها، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النور، الآية: 2]. وجاء في الحديث الشريف أيضًا عن عقوبة الزنا: روى عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن النبي -ﷺ- قال: «خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم»[1].

القذف: وفيما يتعلق بعقوبة جريمة القذف، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور، الآية: 4].

السرقة: وعن عقوبة جريمة السرقة، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة المائدة، الآية: 38]. وجاء في الحديث الشريف عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «لا تُقطع يد سارق إلا في ربع دينار فصاعدًا»[2].

الحرابة: وفيما يتعلق بعقوبة جريمة الحرابة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقْطَعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة المائدة، الآية: 33].

شرب الخمر: وعن عقوبة جريمة شرب الخمر جاء في السنة النبوية المطهرة عن معاوية -رضي الله عنه- عن النبي -ﷺ- أنه قال في شارب الخمر: «إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه، ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه»[3]. وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -ﷺ- أُتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر[4].

الردة: وعن عقوبة جريمة الردة ورد في السنة النبوية الشريفة أن رسول الله -ﷺ- قال: «من بدل دينه فاقتلوه»[5].

البغي: وفيما يتعلق بعقوبة جريمة البغي وهو الخروج عن طاعة الإمام الذي تولى مقاليد الحكم بالطرق المشروعة، وذلك بإرادة عزله وتنحيته عن السلطة، رُوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -ﷺ- قال: «من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، ومات فميتته ميتة جاهلية»[6].

هذه هي أدلة مشروعية عقوبات الحدود، غير أننا نجد الغربيين، من وقت لآخر يثيرون ضجة شديدة لا مبرر لها ضد السياسة العقابية في الشريعة الإسلامية، وعلى وجه الخصوص عقوبة قطع اليد في حالة السرقة وعقوبة الرجم بالنسبة للزاني المحصن، إذ إنهم نظرًا لهاتين العقوبتين، يصفون الشريعة بأنها نظام همجي ووحشي ورجعي لا يتمشى مع روح وتطلعات ومقتضيات عصرنا الحاضر.

ودحضًا لهذه الافتراءات يمكن القول بأن الشريعة الإسلامية مع أنها قررت هذه العقوبات التي يصفها البعض بالقسوة والغلظة، إلا أنها وضعت في نفس الوقت من الضوابط والقيود ما يجعل نطاق تطبيق هذه العقوبات ضيقًا جدًا، وأهم هذه الضوابط وأظهرها هو مبدأ الشبهة، إذ جعلت الشريعة الشبهة سببًا مسقطًا لعقوبة الحد، وذلك بناءً على قول رسول الله -ﷺ-: «ادرءوا الحدود بالشبهات»[7].

فمتى ما كانت هناك شبهة أو أدنى شك فيما إذا كان الجاني قد ارتكب الجريمة المعينة حقيقة أم لا، أو ما إذا كان عند ارتكاب الجريمة سليم العقل أم لا، أو كان يعمل تحت تأثير إكراه أم لا، أو كان هناك شك في أهلية الشهود وقوة شهادتهم لإثبات التهمة؛ فإن كل هذه الشكوك وغيرها من الظنون الأخرى تمنع توقيع عقوبة الحد.

ومن ناحية أخرى جعل قانون الإثبات الإسلامي إجراءات إثبات جرائم الحدود من الصعوبة بمكان، فوضع عدة شروط يتعلق بعضها بعدد الشهود ونوعهم من حيث الذكورة والأنوثة، والبعض الآخر من الشروط يتعلق بأهلية الشهود لأداء الشهادة ومضمون أقوالهم وشهادتهم. وتظهر هذه الشروط أكثر صعوبة بالنسبة لإثبات جريمة الزنا؛ إذ بجانب ما وضعته الشريعة من شروط لتحقيق الإحصان في حالة الزنا الذي تكون عقوبته الرجم، لا تثبت جريمة الزنا إلا بشهادة أربعة شهود ذكور يُشترط أن يكونوا قد شاهدوا جميعهم الزاني والزانية وهما في حالة ارتكاب الزنا حقيقة. كما وضعت الشريعة قيودًا كثيرة ومشددة لإثبات جريمة السرقة التي يُعاقب عليها بقطع يد السارق.

وفيما يتعلق بالإقرار، الذي هو سيد الأدلة، يُعتبر الرجوع عنه بشبهة تدرأ وتسقط الحد تفاديًا ودرءًا لتوقيع عقوبات الحدود بقدر الإمكان متى ما قامت هناك أدنى شبهة على نحو ما تقدم ذكره. وفي هذا رُوي أن رسول الله -ﷺ- قال: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة»[8].

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله -ﷺ- وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله -ﷺ-، فقال: «أبك جنون؟» قال: لا، فقال: «فهل أحصنت؟» فقال: نعم، فقال النبي -ﷺ-: «اذهبوا به فارجموه»[9].

دل هذا الحديث على أن إعراض رسول الله -ﷺ- عن هذا الرجل -وقيل إنه ماعز بن مالك- أن رسول الله -ﷺ- قصد من ذلك الإعراض إتاحة الفرصة لماعز لكي يرجع عن إقراره بالزنا وبالتالي يسقط عنه الحد، وكذلك سؤاله -ﷺ- عما إذا كان بماعز جنون وعما إذا كان محصنًا أم لا، دل كل هذا على الاستيثاق والتيقن من عدم وجود أي شبهة تتعلق بأهلية الجاني واستيفائه لكل القيود والشروط التي توجب عليه عقوبة حد الزنا.

وثمة وسيلة أخرى لدرء عقوبات الحدود، هي التوبة، فإذا تاب السارق وردّ المال المسروق لصاحبه قبل أن يُرفع الأمر إلى سلطان التحري والقضاء، فإن توبته تسقط عنه الحد. وكذلك إذا تاب قاطع الطريق قبل القبض عليه فإن توبته تدرأ عنه الحد، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقْطَعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة المائدة، الآيات: 38-39، 33-34].

 

2- عقوبات القصاص:

القصاص مأخوذ من القص أو قَصّ، ومعناه لغة قطع أو تتبع الأثر، وفي الاصطلاح الفقهي، القصاص هو المساواة والمماثلة في العقوبة كالقتل بالقتل والسن بالسن والجرح بالجرح، وتُطبق عقوبات القصاص على الأفعال العمدية ضد حياة الإنسان وجسمه.

الأصل في عقوبات القصاص قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ﴾ [سورة البقرة، الآية: 178]، وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [سورة المائدة، الآية: 45].

وفي الحديث الشريف، عن أبي مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»[10]. [متفق عليه]

كما أن هذا الحديث يُستدل به على مشروعية عقوبة القصاص في حالة القتل العمد، وذلك بأن من قتل شخصًا عمدًا دون وجه حق يجب قتله. ويُستدل به أيضًا على مشروعية عقوبة الزنا للزاني المحصن وهو الرجم بالحجارة حتى الموت، وكذلك مشروعية عقوبة الردة وهي القتل، وذلك أن المرتد بعد أن يُستتاب ثلاثة أيام ويُصر بعدها على الردة يجب قتله.

أما الجرائم غير العمدية على النفس والجسم فعقوبتها الدية، وهي عقوبة مالية يدفعها ذوو الجاني إلى المجني عليه، كما قد تكون الدية بدلًا عن القصاص في الجرائم العمدية إذا ما عفا المجني عليه عن الجاني وتنازل عن حقه في القصاص وطالب بدفع الدية. والأصل في الدية كعقوبة بديلة للقصاص قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة، الآية: 178]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًَا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [سورة النساء، الآية: 92].

وجاء في الحديث الشريف أن رسول الله -ﷺ- كتب إلى أهل اليمن: «إن من اعتبط مؤمنًا قتلًا[11] عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه[12] الدية، وفي العينين الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الصلب الدية، وفي الرجل الواحد نصف الدية، وفي المأمومة[13] ثلث الدية، وفي الجائفة[14] ثلث الدية، وفي المنقلة[15] خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة[16] خمس من الإبل، وإن الرجل يُقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار»[17].

 

3- عقوبات التعزير:

عقوبات التعزير لم يرد تحديدها في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية المطهرة، إنما تُرك أمر تحديدها لأولي الأمر لتحديدها عن طريق مجلس الشورى الذي هو بمثابة الجهاز التشريعي الإسلامي، لتتلاءم مع الجرائم المختلفة غير التي ورد ذكرها تحت جرائم الحدود والقصاص. ويُستحسن أن تتنوع عقوبات التعزير بحيث يتيح تنوعها هذا مجالًا واسعًا للقضاة لتوقيع العقوبة التي تتناسب وطبيعة وجسامة الجريمة المرتكبة، وذلك بأن يكون لكل جريمة عدة عقوبات كالجلد أو الغرامة أو السجن ليختار القاضي أيًا من هذه العقوبات يراها كافية لردع وزجر الجاني.

وتتراوح عقوبات التعزير بين اللوم والتوبيخ والإنذار والجلد والغرامة والسجن، وفي بعض الأحيان قد تبلغ عقوبة التعزير درجة القتل إذا روعيت فيه مصلحة الجماعة التي يكون قد أصبح جليًا أنه لا يمكن أن تُصان إلا باستئصال الجاني عن المجتمع. [يتبع]

 

لتحميل ملف الحلقة الثانية (هنا)

سياسية التجريم والعقاب في الفقه الجنائي الإسلامي (1-3)

 ________________________

* رشاش، مصطفى عبد الرحيم آدم. "سياسة التجريم والعقاب في الفقه الجنائي الإسلامي (الحلقة الأولى)". مجلة البعث الإسلامي، الهند، مج 41، ع 3 (إبريل 1996)، ص ص. 61 - 69.

** أستاذ مشارك وعميد كلية التراث الإسلامي بالجامعة الإسلامية في يوغندا.

[1] ابن حجر: ج/4، ص/4.

[2] ابن حجر: ج/4، ص/18.

[3] ابن حجر: ج/4، ص/21.

[4] ابن حجر: ج/4، ص/28.

[5] ابن حجر: ج/2، ص/215.

[6] ابن حجر: ج/2، ص/258.

[7] ابن حجر: ج/4، ص/15.

[8] الصنعاني: ج/4، ص/15.

[9] ابن حجر: ج/4، ص/1.

[10] ابن حجر: ج/4، ص/6.

[11] من اعتبط مؤمنًا قتلًا: أي قتله بلا جناية كانت منه ولا جريرة توجب قتله.

[12] وفي أنف إذا أوعب جدعه: أي قطع جميعه.

[13] المأمومة: الجرح الذي يصل إلى أم الدماغ.

[14] الجائفة: الطعنة التي تصل إلى الجوف.

[15] المنقلة: هي التي تنقل العظم من مكان إلى مكان.

[16] الموضحة: هي التي تكشف عن العظم.

[17] ابن حجر: ج/2، ص/244.

الحلقة الأولى

يطالعنا الغربيون وعملاؤهم من المسلمين الذين حجبت عنهم ثقافتهم الغربية نور الحق، باتهامات وحملات مسعورة ضد الشريعة الإسلامية وخصائصها التي تميزها عن غيرها مما عرفته البشرية حتى اليوم من أنظمة ومناهج حياة، بالشمول والمرونة والصلاحية لكل زمان ومكان، وبكونها نظام حياة اختاره المولى جل شأنه لصلاح شئون خلقه مهما اختلفت عصورهم وأوطانهم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. هذه الحملات نجدها أشد ضراوة ضد النظام الجنائي الإسلامي وعلى وجه الخصوص العقوبات التي وضعتها الشريعة الإسلامية للجناة الذين يخالفون أوامرها ويتعدون بذلك على حقوق غيرهم من الناس.

أصبحت كلمة الشريعة، عند خصومها هؤلاء، تأخذ صورة مارد أو عفريت شرير يشكل خطرًا على النوع البشري ووجوده، ولهذا قصدت بهذا المقال المتواضع، في المقام الأول، تصحيح تلك المفاهيم الخاطئة والاتهامات الجائرة والباطلة، التي قد تصدر عن قصد أو جهل، ضد الشريعة الإسلامية ونظامها الجنائي، وذلك ببيان الأسس والمبادئ التي تقوم عليها السياسة العقابية وما تهدف إليه العقوبة في القانون الجنائي الإسلامي، تلك المبادئ والأسس التي أثبتتها الشريعة الإسلامية وقررتها منذ أربعة عشر قرنًا خلت من الزمان عند بداية نزول الوحي لرسول الله -ﷺ-، بينما لا يرجع تاريخ الأصول الدستورية والمبادئ القانونية والسياسة الجنائية الوضعية التي يتبجح بها الغربيون وغيرهم من المسلمين العلمانيين، لا يرجع تاريخ كل ما بين أيدينا اليوم من الفكر القانوني الوضعي، غربيًا كان أو شرقيًا، وراء الأربعة قرون الماضية.

 

مبادئ السياسة العقابية في الفقه الجنائي الإسلامي:

باستقراء النصوص التي وردت في مصدري التشريع الإسلامي الرئيسيين وهما القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، نجد أن السياسة العقابية في الفقه الجنائي الإسلامي تقوم على الأسس الآتية:

أولًا: يتوقف تحديد ماهية ونوع العقوبة التي يجب توقيعها على الجاني، على نيته نحو ارتكاب الجريمة، بمعنى آخر يتوقف ذلك على قصده الجنائي. فالمراد بهذا المبدأ هو أن الجاني إذا تعمد ارتكاب الجريمة وهو في كامل قواه العقلية مع علمه التام بكل ما يترتب على فعله من آثار قانونية، يستحق من جراء فعله هذا عقوبة مشددة. أما إذا انعدمت النية ولم يكن الجاني قد قصد النتائج التي ترتبت على فعله، تخفف عندئذ درجة العقوبة.

تقرر هذا المبدأ في قوله الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: 5]. والسنة النبوية الشريفة، المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، قد أثبتت هذا المبدأ في قول رسول الله -ﷺ- في الأحاديث الآتية:

  1. ما أورده السيوطي في كتابه الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»[1].

ورد هذا الحديث برواية أخرى في المصدر المذكور عاليه، بأن رسول الله -ﷺ- قال: «رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان»[2].

  1. ما جاء في كتاب تيسير العلام شرح عمدة الأحكام تأليف عبد الله البسام، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى..»[3].

تبين هذه النصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، أن عنصر النية والقصد الجنائي إذا توفر لدى الجاني، وهو ما يعرف في الاصطلاح القانوني الحديث بالتفكير الإجرامي أو الركن المعنوي للجريمة، هو المناط الذي يتوقف عليه تحديد نوع العقوبة التي يستحقها الجاني بفعله الذي تسبب في إيذاء وإلحاق الضرر بغيره.

ثانيًا: العقوبة في الفقه الجنائي الإسلامي شخصية، بمعنى أنها لا توقع إلا على شخص الجاني الذي ارتكب الجريمة دون غيره من الناس بصرف النظر عما تربطه بهم من صلات القربى وغيرها من الاعتبارات الأخرى.

تقرر هذا المبدأ في القرآن الكريم في الآيات الآتية: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [سورة الأنعام، الآية: 164]، وقوله تعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [سورة النساء، الآية: 123]، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [سورة النجم، الآية: 39]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [سورة فصلت، الآية: 46]. وقد قررت السنة النبوية الشريفة هذا المبدأ أيضًا فيما أورده الصنعاني في كتاب سبل السلام، أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه»[4].

أثبتت هذه النصوص مجتمعة أن الشريعة الإسلامية تنظر عند توقيع العقاب على شخص الجاني، وأنها لا تحاسب غيره من الأبرياء الذين لم يكن لهم دور أيًا كان في ارتكاب الفعل موضوع المسألة.

ثالثًا: تقتضي السياسة العقابية الإسلامية بأن يوقع على الجاني من العقاب القدر الذي يكون مساويًا لجسامة الجريمة التي ارتكبها، وذلك من حيث الألم الذي ألحقه بغيره من جراء فعله دون مغالاة وتجاوز.

تقرر هذا المبدأ من القرآن الكريم في الآيات الآتية: قول الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الشورى، الآية: 40]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ [سورة النحل، الآية: 126]، وقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [سورة الحج، الآية: 60]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: 194].

قررت الشريعة الإسلامية في هذه النصوص ألا تتجاوز العقوبة الجريمة المرتكبة، وذلك من حيث الألم الذي تلحقه العقوبة بالجاني، إنما يجب أن تكون العقوبة ملائمة لحجم الجريمة وما ترتب عليها من آثار ومضاعفات. إذ عملًا بمقتضى هذا المبدأ العقابي نجد أن الشريعة الإسلامية قد قررت قطع اليد بالنسبة للسارق ولكنها لم تقرر قطع اللسان عقوبة لجريمة القذف، وإن كان كل من اليد واللسان هما الأداتان اللتان يرتكب بهما الجاني جريمته. فاليد هي التي تأخذ المال المسروق، واللسان هو الذي يتلفظ به القاذف عبارات القذف، فقطع اليد يتلاءم مع السرقة وخطرها على الفرد والجماعة ولا يلحق ضررًا بليغًا بالجاني كما يحدثه قطع اللسان، كما أن قطع اللسان يلحق بالجاني ضررًا أكبر من القذف الذي لحق بالمجني عليه.

هذا وقد أثبتت هذه النصوص أيضًا مبدأ العفو والتسامح بين المجني عليه والجاني، إذ تحبذ الشريعة الإسلامية أن يعفو المجني عليه عن الجاني، لأن روح التسامح هذه قد تساعد كثيرًا في إصلاح ذات بينهما ورفع كل أسباب الخصومة بينهما، لأن الرضا والتسامح المتبادل بين الخصمين يجتث جذور النزاع والخصومة ويصبح حالهما كأن لم يكن هناك شقاق بينهما. بينما نجد أن فض النزاع بفصل القضاء مع أنه يقطع الخصومة بين الخصمين من حيث الظاهر إلا أن رواسبها تظل كامنة في نفوسهما، مولدة فيهما روح الحقد والكراهية لكل منهما، لا سيما وأن الجاني يكون قد تقبل العقوبة من غير طيب نفس منه، ولهذا حثت وشجعت الشريعة على روح التسامح هذه بأن وعد الله تعالى في محكم تنزيله كل من يعفو ويصبر أجرًا عظيمًا.

رابعًا: تقضي السياسة العقابية في الفقه الجنائي الإسلامي بالمساواة بين الجناة أمام القانون من حيث توقيع العقوبة المقررة، وذلك بمعنى أن أحكام القانون العقابية تسري على عامة الناس دون تمييز لمكانة اجتماعية أو وظيفة حكومية أو وفرة مالية. فكل من ارتكب الجريمة المعينة ينال من الجزاء ما يقره القانون من عقوبة لتلك الجريمة من غير محاباة أو مجاملة سواء كان ذلك الجاني أبًا أو ابنًا أو أخًا أو أي قريب كان، غنيًا كان أو فقيرًا.

وإن القاضي الذي يسمح لأي جهة سياسية أو تنفيذية بأن تتدخل في استقلال القضاء وشئونه وتحول دون إكمال إجراءات التحقيق في قضية يكون المتهم فيها شخصية ذات مكانة في الدولة أو المجتمع، أو تأمر بسحب ملف أوراق قضية ما من أمام محكمته، يجب عزله فورًا لأن في ذلك دليلًا ظاهرًا على ضعفه. هذا ونجد تاريخ القضاء الإسلامي ينقل لنا سابقة جديرة بأن تؤخذ في الاعتبار قد أرساها الخليفة العادل سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- إذ إنه كان خصمًا في قضية معروضة للنظر أمام أحد القضاة، فعندما دخل الخليفة عمر قاعة المحكمة للإجابة على الدعوى المرفوعة ضده نهض من منصته لاستقبال الخليفة عمر، فما كان من الخليفة عمر إلا وعزل ذلك القاضي مباشرة لأن نهوضه لاستقبال أمير المؤمنين فيه ضعف لا يليق بمن يتولى منصب القضاء.

ولما كان هذا القاضي قد فقد منصبه القضائي لأنه نهض لاستقبال وتحية خليفة المسلمين، وحاشى الخليفة العادل عمر بن الخطاب من أن يتدخل في شئون القضاء مستغلًا نفوذه أو مؤثرًا في مجرى سير العدالة، ولما كان ذلك التصرف من القاضي، يُعتبر في نظر الخليفة عمر ضعفًا كافيًا لعزل القاضي، فما بال القاضي الذي تحمل أمانة حقوق الناس ويسمح لذوي الشأن والسلطان وأرباب الجاه والنفوذ للتدخل في تعطيل وإيقاف إيصال الحقوق لأصحابها وإحقاق العدالة على الوجه المنشود.

تقرر مبدأ المساواة أمام القانون من حيث توقيع العقوبة في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [سورة النساء، الآية: 135].

وقد أكدت السنة النبوية المطهرة هذا المبدأ في قصة المرأة المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده وعندما رُفع أمرها إلى النبي -ﷺ- جرى ما يلي:

رُوى عن السيدة عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي -ﷺ- بقطع يدها، ففزعت قريش من هذا الأمر إذ كيف تقطع يد هذه المرأة المخزومية التي تتبع لأشرف وأنبل قبائل العرب، فقالوا: لا أحد يجرأ على الكلام لرسول الله -ﷺ- عنها غير أسامة بن زيد لأنه حِبّ رسول الله -ﷺ، فأتى أهلها أسامة فكلموه فكلم أسامة بن زيد رسول الله -ﷺ-، فقال له رسول الله -ﷺ-: «يا أسامة لا أراك تتكلم في حد من حدود الله». ثم قام النبي -ﷺ- خطيبًا فقال: «إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها»[5].

ومن آثار الصحابة والخلفاء الراشدين -عليهم رضوان الله تعالى- ورد في الخطاب الشهير الذي بعثه سيدنا عمر بن الخطاب، الخليفة العادل الذي بلغت به عدالته حدًا جعله ينام تحت الشجرة دون أن يخشى أحدًا من رعيته، ذلك الخطاب التاريخي الذي بعثه إلى قاضيه أبي موسى الأشعري، والذي يُعتبر مضمونه منذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا حجر الزاوية للنظام القضائي الإسلامي، إذ جاء فيه: «سَوِّ بين الناس في مجلسك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك»[6].

حقيقة إن هذه النصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة ورسالة سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى القاضي أبي موسى الأشعري، تصنع مجتمعة مبدأ قضائيًا هامًا وهو المساواة بين الناس أمام القضاء، وذلك بأن تسري العقوبات القانونية على كافة الناس دون اعتبار لمكانتهم الاجتماعية. إذ لا وزن لجاه أو ثروة أو سلطان في نظر الشرع الإسلامي، فمتى ما ثبتت التهمة في حق المتهم وجب على القاضي إصدار الحكم بالعقوبة المقررة شرعًا مهما كانت الصلة ودرجة القرابة بينه وبين الجاني، ومهما كان الضغط الذي مارسه ذوو النفوذ عليه. إذ لا صلة أمتن من صلة أسامة بن زيد برسول الله -ﷺ-، ولا قرابة أقوى من قرابة فاطمة بنت رسول الله -ﷺ- بوالدها رسول الله -ﷺ-، إذ لم تشفع صلة أسامة بن زيد برسول الله -ﷺ- عن المرأة المخزومية، بل وقد أقسم رسول الله -ﷺ- بأنه لو أن ابنته فاطمة قد سرقت لقطع يدها امتثالًا لأمر الله تعالى وتقريرًا لمبدأ المساواة بين الناس أمام القانون من حيث توقيع العقوبات المقررة شرعًا. [يتبع]

لتحميل ملف الحلقة الأولى (هنا)

 

* رشاش، مصطفى عبد الرحيم آدم. "سياسة التجريم والعقاب في الفقه الجنائي الإسلامي (الحلقة الأولى)". مجلة البعث الإسلامي، الهند، مج 41، ع 3 (إبريل 1996)، ص ص. 61 - 69.

** أستاذ مشارك وعميد كلية التراث الإسلامي بالجامعة الإسلامية في يوغندا.

[1] جلال الدين عبد الرحمن السيوطي: الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير: ج / 1، ص / 260 - دار الفكر.

[2] السيوطي: الجامع الصغير: ج / 2، ص / 16.

[3] عبد الله بن عبد الرحمن بن صالح البسام: تيسير العلام شرح عمدة الأحكام: ج / 1، ص / 9 - مكتبة النهضة الحديثة - مكة المكرمة.

[4] محمد إسماعيل الكحلاني الصنعاني: سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام: ج / 3، ص / 1253 - دار الفكر.

[5] أحمد بن علي محمد بن حجر العسقلاني: بلوغ المرام مع سبل السلام: ج / 4، ص / 20 - دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

[6] عبد الخالق النواوي: العلاقات الدولية والنظم القضائية في الشريعة الإسلامية: ص / 214 - دار الكتاب العربي.

Post Gallery

كتب ودراسات التأصيل الشرعي لأحكام القانون الجنائي  وأحكام قانون الإجراءات الجنائية

تأصيل أحكام القانون الأردني

الأقوال الشاذة في ميزان الشريعة الإسلامية

الإسلام وحق الأسير في الحياة مقارنة بقواعد القانون الدولي العام والممارسات الدولية

طبيعة وماهية العقوبة في النظام العقابي الإسلامي (2-3)*

الأحوال الشخصية

مشروع قانون موحد لتنظيم الأحوال الشخصية للمسلمين المقدم من الهيئة البرلمانية لحزب العدل إلى مجلس النواب المصري

صحيفة «المصري اليوم» تفتح حوارًا مجتمعيًا حول مشروع قانون الأحوال الشخصية .. تصطدم بمبدأ المساواة وعدم التمييز «شبهات دستورية» تلاحق قانون الأسرة

في تاريخ النظام القانوني الإسلامي

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples